ابن الذهبي

894

كتاب الماء

فيها روحُه . وقال بعضهم إذا تمكّن العشق بالقلب وقوي سلطانه صرع صاحبَهُ ، كالذي يُصرع من مَسّ الجِنّ . وأصلُه - غالباً - النَّفْس ، لأنّ الانسان مُركَّب من العقل وهو الأَمَّار بالخير والعدل ، ومن النَّفْس وهي الأمّارة بالسّوء . وهما شيئان عظيمان في الانسان ولا يتّفقان أبداً ، فانْ غلب العَقْلُ النَّفسَ سَلِم الانسان من شرّ الشّيطان ، وانْ غلبت النَّفْسُ العَقْلَ عَمِيَت البصيرةُ ووقع الانسان في الحَيرة . وقال بعضُهم : تحقيق العشق أنّه ليس هو الحُسْن والجمال ، وانّما هو تَشاكُل النُّفوس وممازجتُها في الطِّباع المخلوقة . وهذا العشق هو الكائن في النُّفوس عن الأعين ، وأمّا الرُّسُوم الظّاهرة المرئيّة فهي الاجتماع والمحادَثة والقُبْلَة والجماع . فانْ كان العِشْق بالمشاكلة زاد بالرُّسوم المذكورة وثَبت وتمكّن ، وان لم يكن بالمشاكلة فهو عَرَض والأعْراض زائلة ، ومِثْلُ هذا يزول بسرعة إذ الأصل له بالمشاكلة . ونُقِل عن بعض الحكماء أنّه قال : لا يجوز في دَوْر الفَلَك ولا في تركيب الطِّباع ولا في القِياس ولا في الحِسّ ولا في الواجب ولا في الممكن أنْ يكون مُحِبّ ليس لمحبوبٍ اليه مَيْلٌ ، ويشهد عى هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم : ( الأرواح جُنْودٌ مُجَنَّدَةٌ فما تعارَف منها ائتلف وما تَناكر منها اختَلف ) 43 . يشهد له أيضا أنّك لا تجد اثنين يتحابّان الّا وجدْتَ بينهما مُشاكَلةً واتّفاقاً في بعض الصّفات . قال بعضهم : وسببه النَّفسانىّ الاستحسان والفِكْر ، وسببه البَدنىّ ارتفاع البُخار إلى الدِّماغ .